السودان منذ الاستقلال يعاني من ازمة خيال حادة تجلت وتتجلي كل يوم في شتي مظاهر الحياة سياسة, واجتماعا وفنا, واقتصاد,ا وزراعة , فنحن فقراء في الأبداع في كل شئء ,او بمعني اخر اننا عديمي الخيال البتة ,والخيال في التفسير العلمي هو تصور شيء غير واقعي يمكن جعله واقعيا بأخضاعة للتجربة , وهكذا بدأ الخيال العلمي رحلته في تصور اشياء تبدو صعبة واقعيا ولكن عقليا يصبح الإصرار علي تحقيقها امرا ممكنا ,ومن هنا يغيب العقل السوداني عن الإبتكار ويغرق في التقليد.

في العقل السوداني يتخلل الكسل التلافيف , وتتثاءب الخلايا ثم تغط في نوم عميق, معلومة السوداني كسول التي فشت في العالم العربي هي حقيقة واقعة مهما حاولنا إنكارهاا ,نحن كسولون, ومؤجلون لأي شأن مهما كانت اهميته , الزمن عندنا مفتوح ونحدد مواعيدنا بعد صلاة العشاء, اوبعد صلاة الظهر' انظر كم من ساعة تفصل بين الصلاتين,وانظر المساجد تجد فيها العشرات يغطون في نوم عميق كأنما شيدت للراحة وليس للعبادة ,وانظر الي التاجر مستلق علي عنقريبه لايأبه بالزبائن فينصرفون عنه الي دكان اخر ربما يجدون صاحبه مستيقظا, نزور بعضنا بدون مواعيد ونتحدث بصوت عال , ونقضي ساعة كاملة في الحديث امام الباب بعد ونسة في كل المواضيع تدوم ساعات داخل المنزل وتلك سمات مجتمع الغابة وليس مجتمع المدينة المتحضر.

ما دفعني للحديث الخشن هذا حول ازمة الخيال السوداني هو انحطاط اداء القنوات الفضائية السودانية فقط كنموذج ,فهي كلها لاتزال تجهل ان التلفزيون يعتمد علي الصورة وان الراديو يعتمدعلي الكلام والموسيقي التصويرية ,وان علي مقدم البرنامج عدم مصادرة الوقت من ضيوفه كما كان يفعل عمر الجزلي بضحكاته المجللة في برنامجه الممل اسماء في حياتنا , ففي غمرة الفوضي العارمة التي اغرق فيها نظام الأنقاذ البلاد والعباد صارت القنوات كلها عبارة عن حفلات غنائية من اول المساء حتي دقش الفجر, فنانون بأعواد, وفنانون بفرق موسيقية وفنانون شباب في عمر الزهور تركوا دراستهم وتوجهوا الي الغناء, وما ان تفتح قناة حتي تجد مذيعة جميلة حولها ضيوف بعضهم بجلاليب ناصعة البياض , وعمائم مطرزة بخيوط حمراء وزرقاء وصفراء .او ببدل اخر موديل, او ببدل وسفاري "مكرفسة" كأ ن اصحابها توجهوا مباشرة وفي التو من اسرة نومهم مباشرة الي الأستديو , ظاهرة المذيعة وحولها ضيوف ومع الضيوف فنان يضع عوده بجانب كرسيه صارت دمغة في كل القنوات, تبدا المذيعة بتعريف الضيوف للمشاهدين بعضهم متمدد في كرسيه في وضع قريب من وضع النوم وهو مالم تجده في القنوات الأخري المحترمة التي يحدد فيها المخرج كيفية جلوس الضيف وكيفية جلوس مقدمة البرنامج نفسها.

في حالتنا مثلا عند مناقشة أزمة المواصلات التي تشهدها العاصمة ما ان يدلي الضيوف بدلوهم في الأزمة وكيفية حلها حتي تسارع المذيعة وتطلب من الفنان اغنية, فيبدأ الفنان في الغناء بينما تجد الضيوف جامدون ساهمون في الفراغ في وضع عجيب حتي ولو كانت الأغنية راقصة ويتساءل المشاهد ما اذا كان بحث ازمة المواصلات تتطلب غناء؟ واليس كان الأوجب اعداد تقرير عن الأزمة واسبابها وسؤال الموطنين عن معاناتهم منها,وتقديم إحصائية عن عدد الحافلات وازمة البنزين ولكن ذ لك لايحدث ابدا وغالبا مايكون الهدف من الحلقة هو تقديم الفنان وليس بحث الحلول للموضوع المطروح للنقاش.

ان ازمة الخيال تتشابهه وتتواصل تجلياتها روتينا وسئما ومللا ,فمعظم مشاهد الفنانين بفرقهم الموسيقية تكون في في حديقة الهيلتون, او في حدائق لفنادق اخري, اوعلي ضفاف النيل ويندر ان تجد مشهدا منها يخرج عن هذه الأمكنة, ومما يثير السخرية ويبعث علي الدهشة هو ان احدي مقدمات البرامج استضافت قبل سنوات مديرادارة البيطرة ومعه مدير الشرطة ليتحدثا عن ظاهرة كلاب ضالة مسعورة قيل انها تهاجم الأطفال , وبعد ان شرح الضيفان الموضوع كل من وجهة نظره فجأة ظهر في المشهد فنانا يحمل عودا كان من ضمن الضيوف لتطلب منه المذيعة اغنية, تصوروا مثل هذه المحن كما يقول شوقي بدري , كيف يستقيم الغناء في موضوع يتحدث عن الكلاب وداء السعر ؟ ثم هل توحي مثل هذه الموضوعات استدعاء الطرب ليكون معبرا عنها,؟ وكيف يطرب المشاهد وفي ذهنه كلاب مسعورة تطارد الاطفال ان ظاهرة الفنان حامل العود تكاد تكون قاسما مشتركا في كل القنوات السودانية ,ويبدو لتفسيرها ان مقدم البرنامج نفسه هو الذي اتي بالفنان, ومن المرجح ان يكون صديقه ويريد ان يسلط عليه الاضواء , وطالما تجد مقدم البرنامج يتمايل طربا مع الاغنية بل ان بعضهم " يشيل " مع الفنان, وهذا بالطبع ضد تقاليد التقديم , فمقدم البرنامج في القنوات الرصينة التي تعرف شروط العمل الاعلامي عليه ان يكون رزينا ومحايدا دائما في كل ما يعرضه علي المشاهدين, غير ان في السودان تتحكم العشوائية في كل شيء فالمادة المقدمة علي الشاشة لاتعرف المراجعة من مسئول مختص ,لأن المسئول نفسه لاعلاقة له بالمهنة, انظر مثلا لحسين خوجلي مالك قناة ام ادرمان فهو نقل بالحرف صيغة صحيفته الوان الي الشاشة , فلا يعرف المشاهد اهو امام شاشة صحفية ؟ام صحيفة شاشة؟, فهو مالك القناة ومقترح افكار برامجها ومختار اسمائها , ونجمها الأول الذي ليس له منازع تتجلي نرجسيته القاتلة في الإستيلاء علي كل المشاهد , فهو رئيس التحرير, والمنتج والمخرج , والمونتير تجده جالسا كطاووس وسط ضيوفه يوجه الاسئلة ويقرأ الشعر الجاهلي والحديث والشعبي والدوبيت , يتحدث عن تاريخ الغناء والايقاعات ويتحدث عن امدرمان وعن جكسا ,وبرعي, وصديق منزول, وسبت دودو, وجقدول كأنه متخصص في كل شيء, له قدرة علي تركيب الجمل الشعرية ,ورص الكلمات كبناء ماهر, وهو بهذا مقتنع تمام الأقتناع بأنه يقدم مادة مفيدة للناس ,وإن قناته هي ألأحسن بين القنوات.

ثمة خلل كبير في رؤية القنوات السودانية للعمل التلفزيوني ومن متابعة سير برامجها يكتشف المراقب انه لا توجد خطة عمل علمية تراعي أنماط ونوعية المشاهدين الذي تخاطبهم ماذا يريدون ,وماذا يكرهون ؟, ليس ثمة تصنيف لهذه الشرائح , وليس ثمة اختيار للزمن الذي يناسب المادة المقدمة وقد وشاعت في الأونة الأخيرة الأستعانة بالفتيات الجميلات كعامل جذب للمشاهدين دون إهتمام إن كانت لديهم الثقافة والخبرة الإعلامية أم لا ؟ وينعكس ذلك في ضعف اللغة ,وغياب الثقافة وسذاجة وتفاهة الأسئلة والإستعاضة عن ذلك بالغنج المصطنع والأبتسامات البلهاء ,لقد كانت نظرية الفتيات الجميلات سببا في تدمير تلفزيون ابوظبي بعد قام وزير الأعلام هناك بحملة "تفنيش واسعة للخبرات الأعلامية لتحل محلهم مذيعات من المغرب العربي ظنا منه ان نجاح اية قناة فضائية مرتبط بفتاة جميلة.

ولمزيد من العشوائية انظر التي برامجين تقدمهما قناة النيل احدهما أغاني وأغاني للسر قدور ,والثاني نجوم الغد الذي كان يقدمه بابكر صديق, برنامج السر قدور أغاني وأغاني فكرته جيدة لكونه يعيد الحياة لأغان تراثية لم يعد يسمع بها احد , ولكن غياب الخيال الاخراجي يجعل منه محض قعدة ليلية تصاحبها ضحكات مقدمه التي هي اشبه بصرير مفاصل باب قديم فتظهر بقايا اسنانه المتاكلة التي تصدم المشاهد وتلك مخالفة لجماليات الشاشة ذلك الشرط الاعلامي الذي تحرص عليه الفضائيات غير العشوائية, اما برنامج نجوم الغد الذي كان يقدمه بابكر حنين فهو يفتقد ايضا الي الخيال الأخراجي فصار الهدف الأول فيه هو سماع الصوت الجديد وتطريب مقدم البرنامج نفسه ,وتعليق المحكمين اللذين يرددون ملاحظات مكررة واسئلة انشائية لزوم ملء وقت البرنامج فقط, ومكمن الخطر في مثل هذه البرامج انها تشجع الشباب لقطع دراستهم ودفعهم دفعا بحجة صناعة المواهب الي عالم الغناء .

صحيح ان الظروف الأقتصادية الصعبة في ظل حكومة المتأسلمين جعلت الكثير من الاسر السودانية تحتفي بأبنائها وبناتها عندما ينجحون كمغنين مادام يصبحون مصدر دخل مريح بل ان المغنين الشباب اصبحوا طبقة جديدة حتي قرر نظام الإنقاذ ان يفرض عليهم ضريبة , بل ان النظام بات يشجع إنتشار الظاهرة الجديدة ليشغل الناس عن معارضة سياساتة بالرغم من محاربته في بداية سنوات حكمه للفنون بمختلف انواعها حتي وصلت به الشعوذة حدا كانت عضوية لجان النصوص من أئمة المساجد.

لقد حصر مقدمو هذه البرامج رسالتهم في الغناء فقط, ولجهلهم فات عليهم ان التفوق يمكن ان يكون في مجالات اخري فقد كانت هناك برامج معرفية تعني بالمواهب مثل فرسان في الميدان للراحل حمدي بدرالدين تعني بالذكا ء ويشارك فيه قامات امثال علي المك ,وجمال عبد الملك ابن خلدون وابراهيم الصلحي وابراهيم علي عبد الكريم.

ان صناعة النجوم لاتقتصر علي الغناء فقط وإنما يجب ان تشمل المواهب في الإختراع والرياضيات و الفيزيا والكيماء والشعر والقصة والرواية والفنون التشكيلية, والمسرح, واي حقل من حقول المعرفة الأنسانية.

إن عقم الخيال السوداني هو حالة جينية مستمرة توارثناها جيلا اثر جيل, وليس الفن وحده ما ينطبق عليه الحال, بل يكفي النظرة الي مفهوم الحزب السياسي في السودان, فهو ليس الحزب الذي يمتلكه الناس جميعا ,وإنما هو ملكية خاصة بالأسرة ترثة ابا عن جد ,وهكذا نراوح مكاننا في متوالية التخلف.وها هو عيد الآضحي يطل علينا فلنستعد لعشرات الحناجر وهي تصدح عبر الفضائيات والأندية الليلية ,فهل تفكر فضائية واحدة ان تغطي شاشاتها بالسواد وتقديم برامج عن بطولات عشرات الشهداء الذين سقطوا من اجل سودان جديد ؟

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
//////////////////