درج تلفزيون الحدث علي تكرار مقولةٍ لأحد الإسلاميين وهو يتساءل مستنكراً كيف يمكن أن يتم إقصاء من حملوا السلاح وقاتلوا لعشرات السنين.
ظاهرُ الحديث أنّ الرجل يدافع عن إستحقاقاتٍ ومكتسبات يلزم أن تتوفرَ من منظوره بالضرورة، لأناس حملوا السلاح وقاتلوا لعشرات السنين، دون توضيح منه لطبيعة القضايا والمظالم الملحّة والتي كانت مدعاةً لرفع السلاح كوسيلة لا مناص منها لتحقيق الأهداف المرجوّة، ومن ثم اندلاع القتال لعشرات السنين، وماهية الإشتراطات والمواثيق التي يستدعيها ذلك الفداء التلقائي على كاهل الشعوب السودانية مجتمعةً، ودون الإشارة حتى للمكاسب أو الخسائر والخزايا التي تم إنجازها أو تلك التي كُتبَ علينا أن نتكبدها من خلال تلك المعارك الطويلة الدمويّةِ القاسية.
فامتشاقُ السلاح والتراشقُ بالدماء ليسا بمحمدةٍ البتة، مالم تتعذر بصفةٍ قاطعةٍ كلُّ المسالك التي يمكن من خلالها ردّ المظالم وإحقاق الحقوق عبر المسارات السلمية، فيما عداهما. فلعل القضايا التي قاتل فيها مجاهدون مسلحون يتبعون للحركة الإسلامية خلال سنيّ الإنقاذ وحتى ماقبل وقف النار يوم توقيع إتفاقية السلام الشامل، مقرونةً بالأهداف والمرامي التي قاتلوا فيها فيما تلا ذلك من الأيام في إقليم دارفور، كحروب خاضوها كفاحا أو بالوكالة (بروكسيس) عبر مليشيات بدوية مرتزقةٍ وعابرة للحدود. ربما لا تتطابق مع أولويات الهم الوطنيّ ولا تدعم قضايا الفقر والتنمية والبناء.
تلك الأهداف والمرامي، والتي لا يعنى القدحُ فيها قدحا في نوايا المقاتلين أو حُكما في مصائرهم، فكلٌ ملاقيه يوم القيامة فردا، ربما كان بإمكاني إيجازها ههنا في السعي لبسط السيطرة القسرية للنظام الأوليغاركي الحاكم على مواقع جغرافية ثرية بالموارد الطبيعية، تتبع لأقليات مهمشة ومحرومة نسبيا من أدنى مقومات الحياة الإنسانية ورغما عن أنفها، كإقليم بانثيو في جنوب السودان وجبال الذهب واليورانيوم في دارفور. وذلك للحصول علي الثروات الطائلة ومراكمتها لدعم قضايا أيدولوجية أممية، أو الإغداق علي الأفراد والمنظمات من شركاء الآيدولوجيا بالداخل والخارج كحركة حماس وأفراد التنظيم الإسلامي الدولي في مصر وماعداها، لا يستثني ذلك بالطبع الذريات والأقارب وشركاء الغرام والموالين.
ليس ذلك فحسب بل يهدف ذلك الجهد المسلح فيما يهدف للعمل علي بسط السيطرة الإثنية والثقافية من خلال القهر العسكري وتمهيد الطريق لسياسات التعريب والأسلمة القسرية. تمثل ذلك في التدافع المسلح الذي نتج عنه تهجير القبائل الأفريقية في مأساة دارفور وإزاحتها تحت ستار تواطؤ رسمي، لصالح إثنيات بدوية عربية عابرة للحدود، فيما يعرف بقضايا الحواكير. وما سبق ذلك تجاه جنوب السودان من خلال قوانين ممتدة فرضت التعريب والتربية الأسلامية على المدارس بجنوب السودان كإقليم يتميز بوثنيةٍ طاغية، ينتمي كل سكانه من القبائل النيلية لإثنياتٍ أفريقيةٍ خالصة.
ربما نأتى لاحقا علي تفنيد تلك النوايا من الناحية الإنسانية، لكن دعنا هنا نتناول الحصاد الذي جلبه علينا هؤلاء المقاتلون من خلال معاركهم الطاحنة التي احترقوا فيها وبذلوا فيها الدماء، فقدت فيها البلاد شبابا كانوا سيكونون بلا شك دعما لعملية البناء والتعمير وإقامة أسباب الحياة. فإن تلك الحروب الطاحنة والتي كانت تحفل بالأهازيج والميثولوجيا الدينية، قد عملت علي تراكم الكراهية واتساع الشقة وفقدان الثقة فيما بين مواطنين متوافقون متحابون وهم بسحنات وأعراق مختلفة، كانوا حتي ليلة البارحة يتقاسمون أقدارهم ومكاسبهم ويتعاركون إذا ما تعاركوا، في التدافع مابين الماء والكلأ، والمظالم السياسية العابرة، لكنهم ينامون تحت سقف واحد حدوده وطن يتكئ علي مساحات شاسعة غنية من الغابات والمراعي والصحارى، وقطعان لا حصر لها من الماشية والحياة البرية.
إن مُحَصِّلةَ دوامةِ العُنف التي أوقدَ أوارَها وتبناها النظام المسنود والمرتبط عضويا ووظيفيا بالحركة الإسلامية، قد أورثتنا وطنا مترنحا مْقطّعَ الأوصال، تراجعت فيه الأصول والثروات، إنهزم فيه الغطاء الأخضر، والمراعي، وضاعت فيه الكثير من الأراضي الغنية بالثروات لصالح دول مجاورة، رحل الجنوبُ بجراحه الغائرة، بأهله وثرواته وتنوعه الثقافي. تعمقت المرائر والإحن مابين البدو والحضر ومابين الأفريكانية والإستعراب في إقليم دارفور، مما تسبب في موجات عاتية من العنف والعنف المضاد، وهلاك الأنفس والقطعان والثروات والنزوح الجماعي.
إمتدت دوامات العنف لتنال من أهلية المؤسسات الأكاديمية وأعرافها،ومن الخدمة المدنية ولوائحها عالية الكفاءة، انتهك العنف حتى التسلسل المنطقي للأشياء وتناغم السلطات مع هرمية الرتب العسكرية والوظيفية، حتى صار الواءات بالقوات النظامية يأتمرون بأمر الجنود وصغار الضباط، بل ويمنحون المدنيين عهودا تنتهك حياد المهنية والوفاء وشرف الخدمة العسكرية، كأن تلدُ الأَمةُ ربّتَها.
خلاصة الأمر فإني لا أجد مسوقا البتة لا من منظور المنطق ولا حتى من المنظور الأخلاقي يؤهل هؤلاء المقاتلين والشهداء منهم رحمة الله عليهم، في المطالبة بحظوظ أو إستحقاقات على الشعب السوداني الذي هو وليس سواه من كان ضحية لمغامرة العنف التي إختارت الحركة الإسلامية يوما أن تفجرها لحماية نظام إستبداديّ يساندها وتسانده.
إنتهى

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.